وباء الجهل الإلكتروني: كيف ندمر عقول أجيالنا بـ "ضغطة زر"؟
نعيش اليوم في عصر يسمى "عصر المعلومات"، حيث أصبحت المعرفة متاحة للجميع بلمسة واحدة على شاشة الهاتف. ولكن، في مفارقة عجيبة، ولد هذا التطور الهائل وحشاً جديداً يهدد نسيج مجتمعاتنا، وهو ما يمكن أن نطلق عليه "الجهل الإلكتروني". هذا النوع من الجهل لا يعني عدم القدرة على القراءة والكتابة أو عدم معرفة استخدام التكنولوجيا، بل هو غياب الوعي النقدي عند التعامل مع المحتوى الرقمي، والانسياق الأعمى خلف كل ما يُنشر دون تمحيص أو تفكير.
"شارك" قبل أن تقرأ: آفة النقل الأعمى
تكمن المشكلة الكبرى في ثقافة "إعادة النشر" (Share) والنسخ واللصق. لقد تحول الفرد في المجتمع من متلقٍ للمعلومة إلى ناشرٍ لها، وهي مسؤولية عظيمة لا يدرك الكثيرون خطورتها.
يقوم الملايين يومياً بمشاركة فيديوهات، صور، ومقالات تحمل عناوين رنانة ومثيرة للعاطفة، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء قراءة المحتوى كاملاً أو التأكد من صحة المصدر. هذا السلوك يحول المستخدم العادي إلى "أداة مجانية" في يد مروجي الشائعات وصناع المحتوى المضلل، مما يساهم في انتشار الأكاذيب بسرعة تفوق سرعة انتشار الحقيقة بمرات عديدة.
أهداف مسمومة: هوس الشهرة والمال
خلف هذا الطوفان من المعلومات المضللة، يقف أشخاص ومجموعات تحركهم دوافع دنيئة، يمكن تلخيصها في نقطتين رئيسيتين:
- هوس "الترند" والشهرة: يسعى الكثير من "مؤثري" مواقع التواصل الاجتماعي إلى حصد المشاهدات (Views) والإعجابات (Likes) بأي ثمن. ولأن الخوارزميات (Algorithms) تفضل المحتوى المثير للجدل، يلجأ هؤلاء إلى فبركة القصص، أو نشر تحديات خطرة، أو ترويج معلومات علمية وطبية خاطئة لمجرد أنها "غريبة". بالنسبة لهم، العقول التي تفسد ليست مهمة، المهم هو عداد الأرباح الذي يرتفع.
- التضليل المتعمد: هناك جهات تستهدف زعزعة استقرار المجتمعات وتفكيك الروابط الأسرية من خلال بث السموم الفكرية. يتم صياغة مقالات وفيديوهات تضرب في الثوابت، أو تروج لقيم دخيلة وشاذة، وتغليفها بغلاف "الحرية" أو "التطور" لخداع البسطاء.
الكارثة الحقيقية: فساد عقول الأطفال والأجيال القادمة
الضحية الأكبر لهذا الجهل الإلكتروني هم الأطفال والمراهقون. هذه الفئة العمرية التي ما زالت في طور التكوين النفسي والعقلي، تتشرب كل ما تراه على الشاشات وتعتبره حقائق مطلقة. وتتمثل خطورة هذا المحتوى عليهم فيما يلي:
- تسطيح العقول: عندما يعتاد الطفل على المحتوى التافه والمقاطع السريعة التي لا تحمل قيمة (مثل مقاطع التيك توك السطحية)، تضمر لديه ملكة التفكير العميق والبحث، ويصبح باحثاً عن المتعة اللحظية فقط.
- تشويه القدوة: أصبح "التافهون" هم المشاهير والقدوات في نظر الجيل الجديد. يرى الطفل شخصاً يصرخ أو يقوم بحركات بذيئة ويحصد الملايين، فيترسخ في عقله أن "التفاهة وقلة الأدب" هما الطريق الأقصر للنجاح والثراء، بينما يتراجع تقدير العلم والعمل الجاد.
- تطبيع الرذيلة والعنف: تكرار مشاهدة الفيديوهات التي تحتوي على عنف، أو ألفاظ نابية، أو سلوكيات غير أخلاقية، يجعل هذه الأمور تبدو "عادية" ومألوفة بمرور الوقت، مما يؤدي إلى انحدار الذوق العام وفساد الأخلاق.
الخاتمة: نحن حراس البوابة
إن محاربة الجهل الإلكتروني ليست مهمة الحكومات أو شركات التكنولوجيا فحسب، بل هي مسؤولية كل فرد يحمل هاتفاً ذكياً.
يجب أن نربي أنفسنا وأطفالنا على مبدأ "تبينوا". قبل أن تضغط على زر "مشاركة"، اسأل نفسك: هل هذا حقيقي؟ هل هذا مفيد؟ هل يرضي ضميري وأخلاقي؟
علينا أن نتوقف عن جعل الحمقى مشاهير، وأن نكون حائط صد ضد الشائعات بدلاً من أن نكون جسراً لعبورها. إن عقول أطفالنا هي أمانة، وحمايتها من التلوث الفكري لا تقل أهمية عن حمايتها من الأمراض الجسدية. الوعي هو اللقاح الوحيد ضد وباء الجهل الإلكتروني.
ليست هناك تعليقات: